أحمد بن محمد القسطلاني

157

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

النوم أو أكل أكلاً كثيرًا بخلاف القليل . اه - . ومقتضى النظر : أنه إذا عرف أن الحكمة في الأمر بالغسل يوم الجمعة التنظيف رعاية للحاضرين ، كما مر ، فمَن خشي أن يصيبه في أثناء النهار ما يزيل تنظيفه استحب له أن يؤخر الغسل لوقت ذهابه ، كما مر عن المالكية ، وبه صرّح في الروضة وغيرهما . ومفهوم الحديث : أن الغسل لا يشرع لمن لا يحضرها ، كالمسافر والعبد ، وقد صرح به في رواية عثمان بن واقد عند أبي عوانة ، وابني خزيمة وحبان في صحاحهم ، ولفظه : " من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل ، ومن لم يأتها فليس عليه غسل " . وهو الأصح عند الشافعية . وبه قال الجمهور ، خلافًا لأكثر الحنفية . وذكر المجيء في قوله : إذا جاء أحدكم الجمعة للغالب ، وإلاّ فالحكم شامل لمجاور الجامع ومن هو مقيم به . 878 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ فِي الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَادَاهُ عُمَرُ : أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ ؟ قَالَ : إِنِّي شُغِلْتُ فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ ، فَلَمْ أَزِدْ أَنْ تَوَضَّأْتُ . فَقَالَ : وَالْوُضُوءُ أَيْضًا ؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ " . [ الحديث 878 - طرفه في : 882 ] . وبه قال : ( حدّثنا عبد الله بن محمد بن أسماء ) الضبعي ، بضم المعجمة وفتح الموحدة ، البصري . وسقط : ابن أسماء ، وفي رواية الأصيلي ( قال : حدّثنا ) ولغير ابن عساكر : أخبرنا ( جويرية ) بضم الجيم وفتح الواو ولأبي ذر : جويرية بن أسماء الضبعي البصري ، عمّ محمد الراوي عنه ، ( عن مالك ) الإمام ( عن ) ابن شهاب ( الزهري ، عن سالم بن عبد الله بن عمر ) العمري ، ( عن ابن عمر ) رضي الله عنهما ( أن ) أباه ( عمر بن الخطاب ، بينما ) بالميم ( هو قائم ) على المنبر ( في الخطبة يوم الجمعة ، إذ دخل رجل ) هو جواب : بينما ، والأفصح أن لا يكون فيه ، إذ ، أو : إذا . ولأبوي ذر والوقت في رواية الحموي والكشميهني : إذ جاء رجل ( من المهاجرين الأولين ) ممّن شهد بدرًا أو أدرك بيعة الرضوان ، أو صلّى للقبلتين ( من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) هو : عثمان بن عفان ، ( فناداه عمر ) رضي الله عنهما ، أي قال له : يا فلان ( أية ساعة هذه ) ؟ استفهام إنكار لينبّه على ساعة التبكير التي رغب فيها ، وليرتدع من هو دونه ، أي : لم تأخرت إلى هذه الساعة ؟ ( قال ) عثمان معتذرًا عن التأخر : ( إني شغلت ) بضم الشين وكسر الغين المعجتين ، مبنيًّا للمفعول ( فلم أنقلب ) أي : فلم أرجع ( إلى أهلي حتى سمعت التأذين ) بين يدي الخطيب ( فلم أزد أن توضأت ) أي : لم أشتغل بشيء بعد أن سمعت النداء إلاّ بالوضوء ، وأن صلة زيدت لتأكيد النفي . وللأصيلي : فلم أزد على أن توضأت . ( فقال ) عمر إنكارًا آخر على ترك السُّنّة المؤكدة وهي الغسل ( والوضوء أيضًا ) بنصب الوضوء . قال الحافظ ابن حجر : كذا في روايتنا ، وعليه اقتصر النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم ، وبالواو عطفًا على الإنكار الأول ، أي : والوضوء اقتصرت عليه واخترته دون الغسل ؟ أي : ما اكتفيت بتأخير الوقت ، وتفويت الفضيلة ، حتى تركت الغسل ، واقتصرت على الوضوء . وقال القرطبي : الواو عوض عن همزة الاستفهام ، كقراءة قنبل ، عن ابن كثير { قَالَ فِرْعَوْنُ وآَمَنْتُمْ بِهِ } [ الأعراف : 123 ] . وكذا قاله البرماوي والزركشي . وتعقبه في المصابيح : بأن تخفيف الهمزة بإبدالها واوًا صحيح في الآية لوقوعها مفتوحة بعد ضمة ، وأما في الحديث فليس كذلك . لوقوعها مفتوحة بعد فتحة ، فلا وجه لإبدالها فيه واوًا . ولو جعله على حذف الهمزة أي : أو تخص الوضوء أيضًا ؟ لجرى على مذهب الأخفش في جواز حذفها قياسًا عند أمن اللبس ، والقرينة الحالية المقتضية للإنكار شاهدة بذلك فلا لبس . اه - . ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ، قال : الوضوء ، وهو بالنصب أيضًا ، أي : أتتوضأ الوضوء فقط ؟ وجوز الرفع . وهو الذي في اليونينية على أنه مبتدأ خبره محذوف . أي : والوضوء تقتصر عليه ؟ ويجوز أن يكون خبرًا حذف مبتدؤه ، أي : كفايتك الوضوء أيضًا . ونقل البرماوي والزركشي وغيرهما عن ابن السيد : أنه يروى بالرفع على لفظ الخبر ، والصواب أن الوضوء بالمد على لفظ الاستفهام ، كقوله تعالى : { آلله أذن لكم } . وتعقبه البدر بن الدماميني بأن نقل كلام ابن السيد بقصد توجيه ما في البخاري به غلط ، فإن كلام ابن السيد في حديث الموطأ وليس فيه واو إنما هو : " فقال له عمر : الوضوء أيضًا " ؟ وهذا يمكن فيه المد بجعل همزة الاستفهام داخلة على همزة الوصل ، وأما في حديث البخاري فالواو داخلة على همزة الوصل ، فلا يمكن الإتيان بعدها بهمزة الاستفهام . اه - . قلت : والظاهر أن البدر لم يطلع على رواية